ابن تيمية

105

مجموعة الفتاوى

فَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ أَمْرُ اللَّهِ أَعْظَمُ وَقُدْرَتُهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ أَوْ يُعْضِلَ وَلَكِنْ يَقْضِيَ وَيُقَدِّرَ وَيَخْلُقَ وَيُجْبِلَ عَبْدَهُ عَلَى مَا أَحَبَّ . وَقَالَ الأوزاعي : مَا أَعْرِفُ لِلْجَبْرِ أَصْلاً مِن القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فَأَهَابُ أَنْ أَقُولَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ الْقَضَاءَ وَالْقَدَرَ وَالْخَلْقَ وَالْجَبْلَ فَهَذَا يُعْرَفُ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ قَالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشخير : لَمْ نُوكَلْ إلَى الْقَدَرِ وَإِلَيْهِ نَصِيرُ . وَقَالَ ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ : لَمْ نُؤْمَرْ أَنْ نَتَّكِلَ عَلَى الْقَدَرِ وَإِلَيْهِ نَصِيرُ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَقَدْ عَلِمَ مَقْعَدَهُ مِن الجَنَّةِ وَمَقْعَدَهُ مِن النَّارِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَدَعُ الْعَمَلَ وَنَتَّكِلُ عَلَى الْكِتَابِ ؟ فَقَالَ : لَا اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ } . وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْخَلَّالَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَدْخَلُوا الْقَائِلِينَ بِالْجَبْرِ فِي مُسَمَّى " الْقَدَرِيَّةِ " وَإِنْ كَانُوا لَا يَحْتَجُّونَ بِالْقَدَرِ عَلَى الْمَعَاصِي فَكَيْفَ بِمَنْ يَحْتَجُّ بِهِ عَلَى الْمَعَاصِي ؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ذَمِّ مَنْ ذَمَّ اللَّهُ مِن القَدَرِيَّةِ مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ عَلَى إسْقَاطِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ أَعْظَمُ مِمَّا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُنْكِرُ لَهُ ؛ فَإِنَّ ضَلَالَ هَذَا أَعْظَمُ وَلِهَذَا قُرِنَتْ الْقَدَرِيَّةُ بِالْمُرْجِئَةِ فِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِن السَّلَفِ وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ ؛ لِأَنَّ كُلّاً مِنْ هَاتَيْنِ الْبِدْعَتَيْنِ تُفْسِدُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ ؛ فَالْإِرْجَاءُ يُضْعِفُ الْإِيمَانَ بِالْوَعِيدِ وَيُهَوِّنُ أَمْرَ الْفَرَائِضِ وَالْمَحَارِمِ